أبو حامد الغزالي

187

تهافت الفلاسفة

فلا قدرة للأول ، على الكفّ عن أفعاله ، تعالى عن قولهم علوا كبيرا ، وهذا النمط ، وإن تجوّز بتسميته فعلا ، فلا يقتضى علما للفاعل أصلا . فإن قيل : بين الأمرين فرق ، وهو أن صدور الكل عن ذاته ، بسبب علمه بالكل ، فتمثّل النظام الكلى ، هو سبب فيضان الكل ، ولا سبب له سوى العلم بالكل ، والعلم بالكل عين ذاته ، فلو لم يكن له علم بالكل ، لما وجد منه الكل ، بخلاف النور من الشمس . قلنا : وفي هذا خالفك إخوانك ، فإنهم قالوا : ذاته تعالى ذات ، يلزم منها وجود الكل ، على ترتيبه بالطبع والاضطرار ، لا من حيث إنه عالم به ، فما المحيل لهذا المذهب ، مهما وافقتهم على نفى الإرادة ؟ ! ، وكما لم يشترط علم الشمس بالنور ، للزوم النور ، بل يتبعها النور ضرورة ، فليقدر ذلك في الأول ولا مانع منه . الوجه الثاني : هو أنه إن سلّم لهم أن صدور الشئ من الفاعل ، يقتضى العلم أيضا بالصادر ، فعندهم فعل اللّه تعالى واحد ، وهو المعلول الأول ، الذي هو عقل بسيط ، فينبغي ألا يكون عالما إلا به ، والمعلول الأول يكون عالما أيضا ، بما صدر منه فقط ، فإن الكل لم يوجد من اللّه تعالى دفعة واحدة ، بل بالوساطة والتولد واللزوم ، والذي يصدر ممن يصدر منه ، لم ينبغي أن يكون معلوما له ؟ ! ، ولم يصدر منه إلا شئ واحد ؟ بل هذا لا يلزم في الفعل الإرادى ، فكيف في الطبيعي ؟ ! ، فإن حركة الحجر من فوق جبل ، قد تكون بتحريك إرادى ، يوجب العلم بأصل الحركة ، ولا يوجب العلم بما يتولد منها بوساطتها ، من مصادمته ، وكسره غيره ، فهذا أيضا لا جواب لهم عنه . فإن قيل : لو قضينا بأنه لا يعرف إلا نفسه ، لكان ذلك في غاية الشناعة ، فإن غيره يعرف نفسه ، ويعرفه ، ويعرف غيره ، فيكون في الشرف فوقه ، وكيف يكون المعلول أشرف من العلة ؟ ! . قلنا : هذه الشناعة لازمة ، من مقالة الفلاسفة في نفى الإرادة ، ونفى حدوث العالم ، فيجب ارتكابها ، كما ارتكب سائر الفلاسفة . أو لا بد من